محمد طاهر الكردي

167

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فهذا معاوية بن أبي سفيان ، رضي اللّه تعالى عنه ، الصحابي الجليل ، كاتب وحي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما تولى الشام من قبل عمر ، رضي اللّه عنه ، قدم عليه عمر راكبا حمارا فتلقاه معاوية في موكب عظيم ، ونزل معاوية وسلم على عمر بالخلافة ، فمضى عمر في سبيله ولم يرد عليه سلامه ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين ، فلو كلّمته ، فالتفت عمر إلى معاوية وسأله : إنك لصاحب الموكب الذي أرى ؟ قال معاوية : نعم ، قال عمر : مع شدة احتجابك ووقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال معاوية : نعم ، قال : ولم ويحك ؟ أجابه معاوية : « لأننا ببلاد كثر فيها جواسيس العدوّ ، فإن لم نتخذ العدة والعدد استخفّ بنا وهجم علينا ، وأما الحجاب فإننا نخاف من البذلة جرأة الرعية . وأنا بعد عاملك فإن استنقصتني نقصت ، وإن استزدتني زدت وإن استوقفتني وقفت » . . . قال عمر ، بعد أن سكت هنيهة : « ما سألتك عن شيء إلا خرجت منه ، إن كنت صادقا فإنه رأي لبيب ، وإن كنت كاذبا فإنها خدعة أريب ، لا آمرك ولا أنهاك » . انتهى نقلا عن صحيفة 223 من كتاب « الفاروق عمر » للدكتور محمد حسين هيكل . ومن هنا يعلم أن معاوية ، رضي اللّه عنه ، لم يتخذ له موكبا وحجابا بالشام إلا للمصلحة العامة ، لا للهو والعبث والركون إلى الدنيا ، وهو الصحابي الجليل ، الذي خدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وله من السياسة والدهاء والفطنة والحلم ما يضرب بها الأمثال . وإن من حكايته هذه لتستخرج جملة من المسائل ، وعدة من الأمور المهمة ، لو أردنا شرحها وبيانها لطال بنا الكلام ، ولا يخفى ذلك على ذوي العقول والبصائر . فلو تتبعنا أحوال أهل الصدر الأول من الإسلام واقتفينا آثارهم وطريقتهم ، لكان اليوم للمسلمين شأن آخر غير ما نحن فيه ، نسأل اللّه التفويق والاعتصام بالدين وجمع شمل المسلمين والنصر على أعداء الدين آمين بفضله ورحمته إنه بعباده لطيف خبير . هذا ، ولقد كان ابتداء إصلاح العمارات والأبنية ، في عهد الوليد بن عبد الملك ، رحمه اللّه تعالى ، حتى كان الناس إذا التقوا تساءلوا عن البناء والصناعة ، وهذه قبة صخرة المسجد الأقصى تدهش عقول الفنانين وأرباب الصنعة ، بما فيه من النقوش الذهبية ، والقيشاني والفسيفساء « الموازييك » ، كل هذه من عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد ، ثم أتى من بعدهما من عمّرها